علي بن أحمد المهائمي

170

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

ويزيده تحيرا أن ( الشخص ) المظهر الساتر ( واحد ) « 1 » ، إذ لو كانا اثنين لربما ظن أن في اعتقادهما اختلافا فإذا رآه من شخص واحد يحار في شأنه هل هو مجنون أم له في كل من ذلك قصد ؟ ولما فرغ عن دعاء طلب الكمال لكمل أمته في ضمن دعاء الاستئصال على الطغاة دعا لنفسه ما هو غاية الكمال فقال : ( رَبِّ اغْفِرْ لِي [ نوح : 28 ] ) ، ولما كان المفهوم الأول طلب غفران الذنوب ، وهو عليه السّلام معصوم فسره بقوله ( أي : استرني ) أي : استر ذاتي بحيث تصير باطني ، والحق ظاهري ، ( واستر من أجلي ) كمالاتي بغاية ظهورها فإن الشيء إذا جاوز حده ما ورث ضده ( فيجهل مقامي ) منك ، ( وقدري ) في كمالاتي ، ( كما جهل قدرك ) مع غاية ظهورك إذ لا تحقق لشيء بدون إشراق نورك عليه ، وفي كل شيء آية تدل عليك على ما أشرت إليه ( في قولك : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الأنعام : 91 ] ) ، أي : ما عرفوه حق معرفته ، واغفر ( وَلِوالِدَيَّ [ نوح : 28 ] ) ، ولما كان قصد الشيخ رضي اللّه عنه بيان غير المفهوم الأول فسره بقوله ( من كنت نتيجة عنهما وهما العقل ) المنتج لروحانيتي ، ( والطبيعة ) المنتجة لجسمانيتي طلب لهما الستر بغاية ظهورهما في تصرفاتهما ، واغفر ( وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ [ نوح : 28 ] ) ، ولما كان قصده أيضا بيان غير المفهوم الأول فسره بقوله ( أي : قلبي ) والداخل فيه النفس الحيوانية طلب لها الستر عن إمارتها ؛ بأن تصير مطمئنة متنورة بنور القلب . ولذلك قال ( مُؤْمِناً [ نوح : 28 ] أي : مصدقا بما يكون فيه ) أي : في القلب ( من الإخبارات الإلهية وهو ) أي : ما يكون فيه من الإخبارات الإلهية ( ما حدّثت ) القلوب ( به أنفسها ) ، وفي نسخة أنفسهم بما أخذته القلوب عن الأرواح عن اللّه تعالى ، واغفر ( وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ نوح : 28 ] ، من العقول وَالْمُؤْمِناتِ [ نوح : 28 ] ، من النفوس ) بغاية الظهور لها في تصرفاتها ، وهذا كله بطريق الإشارة ثم طلب لمن يستر أحواله ومقاماته عن الخلق مزيد الستر بطريق الإشارة في ضمن دعائه على الطغاة فقال : ( وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ ) [ نوح : 28 ] ، أي : الجاعلين أنفسهم في حجاب عن الخلق أخذ الظالم بطريق الإشارة ( من الظلمات ) . ولما أوهم أنهم أهل الحجب الظلمانية فسره بقوله : ( أهل الغيب ) أي : الغائبين عن نظر العامة ؛ لقصور نظرهم عن إدراكهم ( المكتنفين خلف الحجب الظلمانية ) التي للخلق ، فلا يبصرونهم دعا في شأنهم ألا يزيدهم ( إِلَّا تَباراً [ نوح : 28 ] أي : هلاكا ) في ذاته

--> ( 1 ) أي بالذات وإن تعدد بالاعتبار ، وهذا عين الإضلال والتحير .